على وقع المتغيّر السوري: الاستبداد لا دين له

يتحمّل نيكولا مكيافيلي وتوماس مور وزر الطلاق البائن بين السياسة والأخلاق، حين نظّرا للسلطة إلى حد تصنيمها، فجعلا الهدف الأقصى للسياسة هو تأمين حياة الأمير وسلطته، ولبلوغ ذلك تكون كل الوسائل مبرّرة. فلا فضيلة للسياسة، ولا تخضع لقواعد أخلاقية أو سلوكيّة محدّدة، وقد يتطلّب الحفاظ على سلطة الأمير التصرّف ضد حسن النيّة، والإحسان، والإنسانية، والدين. وبفعل طغيان المكيافيلية، المرتكزة على النفعية السياسية، اكتسبت السياسة نفسها معنى قبيحًا ولطالما ربطه الناس بكلمة «سياسي».
ومع التشنيع الشديد والواسع لتراث مكيافيلي السياسي الذي أخرج كلّ شرور البشر وجعلها من لوازم السياسة، فإن تراثه لا يزال دليلًا إرشاديًا لكثير من قادة الدول وإن لم ينسبوه إلى صانعه الأصلي. جاء في سيرة الملك عبد العزيز بن سعود أنه عرض عليه كتاب «الأمير» فسأل عن محتواه، فأبلغوه بأنّ فيه نصائح للأمير لترسيخ سلطانه، فعلّق: نحن نطبّق كل ذلك.
يحمل مكيافيلي ومور وهوبز أوزار تمجيد السلطة، ويرجع إلى جيل من مظّري السلطة إفساد ضمائر الناس عندما صاغوا فلسفة للسلطة تقوم على تصوّر تشاؤمي حول النفس البشرية، وشجّعوا طلّاب السلطة على ممارسة أشد أشكالها بشاعة.
وعليه، حين يتعلّق الأمر بالسلطة، بالمعنى السياسي للكلمة، تفقد الأيديولوجيا مفعولها، وقد تتحوّل إلى مجرد أداة طيّعة في خدمة السلطة، ومهما تسلّفت السلطة أو تلبرلت أو تمركست، فإنّ السلطة تبقى أداة تسلّط. بكلمات أخرى، لا علاقة للأيديولوجيا بشكل السلطة أو مستواها، لأن السلطة هي تعين الأيديولوجية وتطوّرها لمصلحة رجل السلطة. فقد يعتلي سدّة الحكم اشتراكي أو رأس مالي أو إسلامي أو بوذي أو يهودي أو صوفي، ولكن لن يغيّر ذلك من وظيفة السلطة، بصفتها أداة تسلّط.
وحتى الديموقراطية، حين تدخل حيّز التنفيذ السياسي، تتحوّل إلى ديكتاتورية متنكّرة، وعلى وجه حصري حين تتولّى الدولة، بصفتها الجهاز البيروقراطي الغالب، إدارة شؤونها كلها، وخصوصًا في موضوعة تداول السلطة والتناوب عليها.
الرئيس الأميركي ترامب، في 11 شباط/ فبراير الجاري، وفي ردّه على سؤال عن السلطة التي تسمح له بالسيطرة على قطاع غزة، أجاب: «السلطة الأميركية». في الترجمة العملية للرد، يتحدّث ترامب عن التسلّط الأميركي أي القوة الغاشمة التي تتحوّل إلى حق أو هي الحق (Might is Right)، بحسب آرثر ديسموند في 1896.
أثارت مواقف ترامب التسلّطية غضب النخبة الليبرالية الأميركية، عكسها عنوان لصحيفة «نيويورك تايمز» في 9 شباط/ فبراير بعنون «هذا ليس دونالد ترامب الذي انتخبه الأميركيون». وفي 11 شباط/ فبراير نشرت الصحيفة نفسها مقالة رأي بعنوان «الرئيس في مهمة تدمير أعدائه من الداخل» وكان العنوان قد تبدّل إلى «هدفهم هو صميم الليبرالية الأميركية الحديثة»، في إشارة إلى فريق ترامب الذي يدير الولايات المتحدة. باختصار، لا شيء يميّز ترامب عن أي ديكتاتور في العالم، سوى أنه جاء عن طريق الديموقراطية وصناديق الاقتراع.
ما يظهر، أن النظام الانتخابي، الذي ينعت بدرّة تاج الديموقراطية، يتولى، وظيفيًا، تنظيم إدارة التسلط في السلطة، وليس إدارة شؤون المجتمع في السلطة. أبعد من ذلك، إن النظام الديموقراطي ليس مصمّمًا من أجل ضمان وصول شخصية ذات مواصفات ديموقراطية؛ فقد يأتي النظام بديكتاتور طاغية. وعليه، فإن أفضل النظم الانتخابية غير محصّنة أمام وصول مرشح لا يختلف عن أسوأ ديكتاتور في العالم.
على أفق واسع، إن السياسات التي تبنّتها دول الغرب بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 تحت قانون «مكافحة الإرهاب»، والتدابير القمعية التي طاولت الناشطين في الولايات المتحدة وأوروبا في مناصرة الشعب الفلسطيني وسكّان قطاع غزّة بعد «طوفان الأقصى» وتحديدًا في عام 2024، تنبئ عن نزوع نحو الديكتاتورية حين تصبح الديموقراطية متناقضة مع مصالح الأوليغارشيات الرأسمالية الحاكمة.
وهذا ما أفصح عنه قانون «Patriot Act» أو القانون الوطني، وترجمته: «توحيد وتعزيز أميركا من خلال توفير الأدوات المناسبة المطلوبة لاعتراض وعرقلة الإرهاب». تمّ إقرار القانون بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001 بغرض تمكين أجهزة الشرطة الأميركية، من ملاحقة المشتبه بهم وتفتيشهم، وتسهيل الإجراءات لتعقّب من تصنّفهم الإدارة الأميركية في خانة الإرهابيين المحتملين. في قراءة تفاصيل القانون، لا يبقى شك حول الأضرار الفادحة التي يلحقها بالحريات العامة، وخصوصية الأفراد، وأمنهم، وسلامتهم، وحريّة حركتهم، وحتى ممتلكاتهم. باختصار: مع هذا القانون لا يمكن الحديث عن الحرية والديموقراطية.
الفيلسوف الأميركي والناشط السياسي كورنل ويست عبّر بافتجاع حول خطورة قانون باتريوت الذي وصفه بأنه: «ليس سوى قمة جبل جليدي وسّع نطاق قمع حقوقنا وحرياتنا التي ناضلنا من أجلها واكتسبناها بشق الأنفس». علاوة على ذلك، وقف القضاء إلى جانب القانون بدلًا من دعم الحقوق والحريات، باستثناء قلة من القضاة الديموقراطيين الذين انحازوا بحزم ضد القانون، وعبّروا عن قلقهم من التوازن بين الحرية والأمن، وحين يرجّح خيار الأمن سوف يطغى على الحرية. فتح القانون الشهية على تدابير قمعية لا حدود لها، وانتقلت إلى المدارس والجامعات حين فرضت الدوغمائية نفسها في زيادة الرقابة على وجهات النظر، وعدم احترام الأشخاص الذي يختلفون معهم.
الولايات المتحدة لا تختلف عن بقية دول العالم الأخرى غير الديموقراطية بكونها غير محصّنة أمام الفساد والاستبداد، فالصناعة الماليّة استخدمت نفوذها السياسي الواسع لتفكيك بنى التنظيم والرقابة المفروضة في الأزمة المالية في عامي 2008 - 2009، وكشفت عن العلاقة الواهية بين التعويضات في قطاع الخدمات المالية والإسهامات الحقيقية في الاقتصاد. وكما أشار الاقتصادي سايمون جونسون: «لا تختلف قوّة الأوليغارشية الماليّة في الولايات المتحدة كثيرًا عمّا هو قائم في بلدان الأسواق الناشئة، كروسيا وأندونيسيا».
ما سبق يحرّرنا حين الحديث عن النظم الشمولية في مشرقنا العربي، التي استوردت، من بين أشياء كثيرة، نموذج الدولة من الغرب، فتحوّل إلى مجرد جهاز تسلّطي قمعي، لا يعرف من السلطة إلا وظيفتها الأمنية والتسلّطية.
السلطة الجديدة في سوريا ليست مقطوعة الصلة عن تجربة السلطة عمومًا. وليس من ضمانات بأن تجربة حزب البعث في الحكم سوف تكون الأسوأ في تاريخ سوريا السياسي
وكما سبق الحديث عنه، فإن مجرّد تلطّي السلطة، السياسية على وجه حصري، وراء إيديولوجية لا يخفّف من غلوائها وتوحّشها، فسوف تبقى احتكارية وإقصائية واختزالية، وإن أغرقت الدنيا بشعارات التعدّدية، والحرّية، والعدالة، والمساواة...
في البعد الإيديولوجي للسلطة، في سوريا وفي بلدان العرب عامّة، لم تكن الاشتراكية حاجزًا عن طائفية النظام السابق، كما لن يكون الإسلام حائلاً أمام طائفية النظام الجديد. وشرح ذلك: أن النظام السابق مارس الطائفية السياسية (في بعدها العائلي) دون الدينية، فكان يقرّب أفراد أسرته دون بقية الطوائف، ولكن تلك طائفية لا عواقب دينية لها، أو على وجه أدق بعواقب دينية محدودة.
بدليل أن الطوائف جميعًا، صغيرها وكبيرها، لم تتعرّض لاضطهاد على خلفية دينية، ولم يقتل أحد أو جماعة على خلفية دينية وطائفية. وكانت المساجد عامرة بالمصلّين وتصدح بالآذان قبل كل صلاة، وكذلك الكنائس وروّادها الآمنين على أنفسهم وبيوتهم وأسواقهم. ولم نسمع عن هجرات جماعية على خلفية اضطهاد طائفي أو ديني، ما خلا سنوات الأزمة (2011 - 2024) التي فلقت المجتمع السوري على أساس سياسي محمولًا على العنوان الطائفي.
وهنا ننقل شهادة الشيخ محمد العريفي، أحد دعاة السلفية الوهابية الذي جاء إلى سوريا في زمن كانت فيه الأوضاع مستقرة نسبيًا. وقد ألقى العريفي محاضرة في جامع الإيمان في حلب بتاريخ 26 مايو 2006 بحضور جمع كبير من الشباب المتديّن، وكان يشيد بالنظام ورئيسه، ومما جاء في دعائه: «اللهم احفظ سوريا من كل سوء ومن أراد بولاة أمرها ووحدتها سوءًا، فأشغله بنفسه وردّ كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرًا عليه... اللهم وحّد صفّهم مع ولاة أمرهم على الخير والهدى...» قالها ثلاثًا، وأطرى على الحرية الدينية في سوريا، وقال إنّه ذهب إلى عدد من البلدان، ولم يستطع أن يلقي المحاضرة التي يلقيها الآن في سوريا، وقد وصفها بـ«البلد المبارك» في ظل بشار الأسد.
محاضرة حشدت جمعًا كبيرًا، وقال: «لم يسمح لنا في البلدان الأخرى»، وكان يردّ - الداعية - إلى بلده من المطار (أي يمنع دخوله إلى تلك البلدان) بينما في سوريا، يقول: «نأتي إليكم ونستقبل استقبالًا جيدًا ويسمح لنا بإلقاء هذه المحاضرات واللقاء بكم سواء في الجامعة أو هنا - أي الجامع - وغدًا لنا لقاء في التلفاز الساعة التاسعة». وكان ينصح الحاضرين: «لا ينبغي أن تكدّروا على أنفسكم هذا الماء الصافي بتصرف يحدثه الإنسان ثم يبدأ يضيّق على الخير بسببه». وقال عن النساء في سوريا: «الحمد لله نرى الأخوات منقّبات في الشوارع، نرى المخمّرات - أي من يضعن الخمار على وجوههن - نرى المحجّبات... الواقع الذي تعيشونه واقع حسن وجيد... الحمد لله الخير موجود، وهذه الكتب الإسلامية موجودة، وها أنتم الآن تجتمعون في هذا المسجد المبارك تجلسون مع الدعاة الذين يأتون إليكم من كل مكان وكذلك الدروس العلمية (يقصد الشرعية)».
ثم يقول: «هل تعلم بأن هناك بلداناً ما في ولا درس في المسجد، ما في ولا شيخ يدرّس لا فقه ولا حديث ولا تفسير ولا شيء»، يضيف: «هل تعلم أن هناك بلداناً يقبض على من يصلّي الفجر بل يقبض على من يصلّي»، وحذّر من كل من يحاول أن «يزرع فتنًا أو فجورًا أو اختلافًا أو زعزعة أو نحو ذلك ما دام الحمد لله أن الخير ماضٍ وأنه - أي الخير - الحمد لله يزيد ولا ينقص». قال العريفي مثل ذلك عن ليبيا التي زارها سنة 2010 في ظل حكم الرئيس معمر القذافي قبل الثورة، قبل أن ينقلب على مواقفه بعد الثورة في سوريا وليبيا.
ليس في ذلك إطراء للماضي الديكتاتوري، فلدى النظام السوري السابق ما يكفي من الموبقات السياسية والأمنية ما يجعل الخلاص منه حتميًا، ولكن ليس وحده من يستحق هذا المصير، لمجرد أنه وقع في مصيدة الإمبراطوريات الإعلامية الفاجرة، فيما نجا غيره منها بمقتضى المصلحة. من المشين، أن حتى الديكتاتوريات خضعت للقسمة: ديكتاتورية مؤمنة وأخرى كافرة. وهذا ما نراه رؤى العين اليوم وفي سوريا الجديدة، التي تحظى بدعم القريب والبعيد، فيما يمنع على خصوم سدنة الديكتاتورية المتنكّرة «المشاركة في الحكومة»، هذا المطلب الأميركي في لبنان.
السلطة الجديدة في سوريا ليست مقطوعة الصلة عن تجربة السلطة عمومًا. وليس من ضمانات على أن تجربة حزب البعث في الحكم سوف تكون الأسوأ في تاريخ سوريا السياسي. فالميول الاحتكارية للسلطة وبناء دولة شمولية ذات لون طائفي واحد تبدو راسخة في عقيدة «هيئة تحرير الشام» وتجربتها. ولأن القاعدة الشعبية العريضة في سوريا لم تتأهل بدرجة كافية لقبول فكرة «التعددية السياسية» نتيجة ارتهانها قهريًا لنظام واحدي دام أكثر من نصف قرن، فإن استعدادها لقبول نظام آخر شمولي، ولكن بمواصفات مختلفة، سوف يكون أسهل، مشفوعًا بتأييد إقليمي ودولي.
لا بد من إلفات الانتباه إلى أن شعب أدلب أدرى بشعاب «الهيئة» من شعب سوريا في بقية المحافظات. وإذا ما أردنا معرفة حال «الهيئة» في السلطة، فعلينا العودة إلى تجربة إدلب التي يتغنى بها أركان السلطة الجديدة. فهنا لا تصح مقولة «إعطاء التجربة فرصتها قبل الحكم عليها». وإذا كان من المنطقي عدم التعجّل في الحكم على تجربة لا تزال ناشئة، فإن من غير المنطقي أيضًا تجاهل الوصل بين تجربة السلطة الحالية بأخرى كانت قائمة حتى وقت قريب في محافظة إدلب، بلحاظ أن أركان الإدارة الجديدة هم أنفسهم من بشّروا باستنساخ التجربة ونقلها من «المحافظة» إلى «الدولة»، وكأننا أمام إعادة إنتاج لتجربة أثينا المدينة/ الدولة.
كان من الضروري العودة إلى إرشيف «الهيئة» في إدارة إدلب المحفوظ، جزئيًا على الأقل، على منصّة «يوتيوب»، لأنّ فيه ضالّة الباحث عن التداخل والتخارج بين التجربتين. في واقع الأمر، ثمة ما يثير الدهشة لجهة تجربة إدلب المنقولة حرفيًا بقضّها وقضيضها إلى دمشق، كما تخبر احتجاجات السكان في المناطق الخاضعة تحت سيطرة «الهيئة»؛ تظاهرات شعبية واسعة خرجت على مدى سنوات وحتى قبل شهور من سقوط نظام بشار، ضد سياسات «أبو محمد الجولاني»، وسجون «الهيئة» التي ضمّت مئات، وقيل آلاف، وبعضهم مضى على اعتقاله أكثر من سنتين.
في تظاهرات إدلب بتاريخ 10 أيار/ مايو 2024 كان المطلب العام إسقاط حكم الجولاني، بشعار «الجولاني دمّر دولتنا»، فيما رفع متظاهرون لافتة كتب عليها «يسقط الأسد والجولاني»، ووصف آخر إصلاحات الجولاني بأنها «فارغة ووهمية»، وطالب بتسليم الحكومة إلى حكومة مدنية، ورفع آخر شعار «مجلس الشورى يكون منتخباً من الشعب وليس عن طريق الحكومة»، وتحدّث آخر عن آلية تولّي الجولاني السلطة، وتساءل: «من عيّن الجولاني... هو عيّن حاله»، وتطرّق إلى الضرائب الباهظة، وقال إن سياسته لا تختلف عن سياسة بشار الأسد، بل هو يكملها.
مقطع آخر يظهر سيارات عسكرية تابعة لـ«الهيئة» تلاحق متظاهرين في محافظة إدلب طالبوا بالإفراج عن المعتقلين في سجون الجولاني وكانت السيارات تتقصّد دهس المتظاهرين. في مقطع آخر، يتحدّث أحد قادة فصائل المعارضة أن الجهاز الأمني الخاص بـ«الهيئة» كان يقيم حواجز في محيط إدلب، وأن ثمّة خطةً يشرف عليها الجولاني نفسه، وقد منع الأهالي من خارج المحافظة من التواصل مع داخلها، وقد هدّد عناصر «الهيئة» بالاعتقال، فيما كان عناصر أمنها يلاحقون المتظاهرين بالأسلحة الرشاشة، كما لو أننا أمام مشهد من تظاهرات سورية في محافظات أخرى في السنوات الأولى للثورة. يصف أحد قادة المعارضة في الشمال السوري سلوك عناصر «الهيئة» الموجودين على الحواجز، بأنهم يتصرّفون مثل «الشبيحة» الذين اعتاد على رؤيتهم في السابق.
مَن يتأمّل في مقاطع مصوّرة من مناطق سيطرة «هيئة تحرير الشام» قبل سقوط النظام، يخرج بانطباع أن تجربة إدلب في السلطة تحت حكم الجولاني تكاد تكون نسخة أخرى من تجربة الدولة السورية في ظل بشار الأسد، ويجري تطبيقها الآن وحرفيًا في سوريا الجديدة، أي أن «ادلبة» السلطة تخبر عن مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فاحتكار السلطة في مكوّن سياسي واحد واختزالها في شخص «أحمد الشرع» وتاليًا إلغاء مبدأ الشراكة بإقصاء بقية المكوّنات السياسية في الوطن السوري يؤول حكمًا إلى إعادة إنتاج الأوليغارشية الشمولية في شكل أشدّ بشاعة من السابق لاحتمائها بدعاوى دينية.
من دون ريب، لا يعكس المشهد السياسي السوري الحالي واقع المجتمع السوري بتنوّعه الطوائفي والأيديولوجي والديناميات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وأن السلطة التي قفزت على الواقع السوري في السابق وعمدت إلى إلغائه سقطت، وأن أيّ سلطة أخرى تعلو على واقع المجتمع تؤول إلى المصير ذاته.
* كاتب من الجزيرة العربية
